ابن رشد
117
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ د - طريقة الصوفية ] [ 65 ] وأما الصوفية « 25 » فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية ، أعني مركبة من مقدمات وأقيسة . وإنما يزعمون أن المعرفة باللّه وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة ( - الفكر ) على المطلوب . ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة ، مثل قوله تعالى « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » ( البقرة 282 ) ، ومثل قوله تعالى « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ( العنكبوت 69 ) ، ومثل قوله : « إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً » ( الأنفال 29 ) ، إلى أشباه ذلك كثيرة « 81 » يظن أنها عاضدة « 82 » لهذا المعنى . [ 66 ] ونحن نقول إن هذه الطريقة ، وإن سلمنا ( 30 / و ) وجودها ، فإنها « 83 » ليست عامة للناس بما هم ناس . ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ، ولكان وجودها في الإنسان « 84 » عبثا . والقرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار ، وتنبيه على طرق النظر . نعم لسنا ننكر أن تكون إماتة الشهوات شرطا في صحة النظر ، مثل ما تكون الصحة شرطا في ذلك ، لا أن « 85 » إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها ، وان كانت شرطا فيها . كما أن الصحة شرط في التعلم وإن كانت ليست مفيدة له « 26 » . ومن هذه الجهة دعا الشرع إلى هذه الطريقة وحث عليها ، في جملتها ، حثا « 86 » : أعني على العمل ( - الزهد ، إماتة الشهوات . . . ) لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم . بل إن كانت نافعة في ( - الحكمة ) النظرية فعلى الوجه الذي قلنا . وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه .
--> ( 25 ) في الفقرة رقم 3 أعلاه ذكر الباطنية ، هنا يتحدث عن الصوفية فقط . انظر هامش 3 أعلاه . ( 26 ) " ليست مفيدة له " : لا تمنحه ، ليست هي التي تعلّم . هي شرط وليست سببا . ( 81 ) س : سقط من المتن " كثيرة " وثبتت على الهامش ( 82 ) س : " عاصدة " ( 83 ) ت ، مل 1 : " بأنها " ( 84 ) ت ، مل 1 ، قا : " بالناس " ( 85 ) ت : " لان " ( 86 ) . في جميع النسخ : " وحث عليها في جملتها حثا " . وقد أشار مل 2 بأن رسم " جملتها حثا " في المتن تستعصي قراءته . ( وهو الصواب في نظري : أي حث عليها ، حثا ، في جملتها وعلى العموم دون التفاصيل ، أي على " العمل " . أما النظر فلا : أي أن ما يدعيه المتصوفة من حصولهم على معارف نظرية بمحاربة الشهوات الخ . . . فلا . فالزهد قد يكون شرطا ولكنه ليس سببا . م . ع . ج ) .